مجمع البحوث الاسلامية
150
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تقدّم في تفسير أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ البقرة : 186 ، أنّ الطّلب من اللّه تعالى إنّما يكون باتّباع سننه في الأسباب والمسبّبات ، والتّوجّه إليه تعالى ، واستمداد المعونة والتّوفيق منه ، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه . وعلى هذا يتخرّج تفسير الحسن لقوله تعالى : وَقِنا عَذابَ النَّارِ بقوله : أي احفظنا من الشّهوات والذّنوب المؤدّية إليها ، فطلب الحياة الحسنة في الدّنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجرّبة في الكسب والنّظام في المعيشة ، وحسن معاشرة النّاس بآداب الشّريعة والعرف ، وقصد الخير في الأعمال كلّها ، وتوقّي الشّرور كلّها ؛ وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصّالح بقدر الاستطاعة ، وطلب الوقاية من النّار يكون بترك المعاصي واجتناب الرّذائل والشّهوات المحرّمة ، مع القيام بالفرائض المحتّمة ، هذا هو الطّلب بلسان القلب والعمل . وأمّا الطّلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأنّ هذه الأسباب من اللّه ، فالسّعي لها مع الإيمان هو عين الطّلب من فيضه وإحسانه ، مضت سنّته بأن يعطي بها فضلا منه ورحمة ، لا بخوارق العادات الّتي لا يعلم محلّها وحكمتها غيره ، وأنّه لا يرجع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي ، والمعونة على ما عسر . ولم يذكر في التّقسيم من لا يطلب إلّا حسنة الآخرة ، لأنّ التّقسيم لبيان ما عليه النّاس في الواقع ، ونفس الأمر بحسب داعي الجبلّة وتأثير التّربية وهدى الدّين ، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجّه نفسه إلى حسن الحال في الدّنيا ، مهما يكن غاليا في العمل للآخرة ، لأنّ الإحساس بالجوع والبرد والتّعب يحمله كرها على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس ، والشّرع يكلّفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه ، وقد جعل عليه حقوقا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمّته ، لا تصحّ عبوديّته إلّا بدعاء اللّه تعالى فيها . ( 2 : 237 ) نحوه المراغيّ . ( 2 : 105 ) النّهاونديّ : وهي كلّما فيه السّعادة الدّنيويّة ، وهي روحانيّة وجسمانيّة داخليّة وخارجيّة . أمّا السّعادة الرّوحانيّة فكمال القوّة النّظريّة بالعلم ، وكمال القوّة العمليّة بالأخلاق الجميلة الفاضلة ، فإنّهما زينة المرء في الدّارين ، وأمّا السّعادة الجسمانيّة الدّاخليّة ، وهي السّعادة البدنيّة من الصّحّة والجمال ، وأمّا السّعادة الخارجيّة فهي المال والجاه والأقارب والأولاد ، وهذه السّعادات كما أنّها حظوظ في الدّنيا مقدّمات ووسائل لتحصيل حظوظ الآخرة . والظّاهر أنّ المراد من الحسنة : جميع ماله نفع في الآخرة ، وليس حبّها وطلبها من حبّ الدّنيا وطلبها بل عين حبّ الآخرة . [ واستشهد بأحاديث ثمّ قال : ] والجامع ما ذكرنا وهو جميع ما يكون له نفع في الآخرة ، وما يكون معينا على تحصيلها ، ثمّ إنّه لإظهار شدّة الاهتمام بالآخرة وأنّها المطلوب النّفسيّ ، خصّ نعمها أوّلا بالذّكر صريحا بقوله : وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهي الثّواب والرّحمة . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : هي الحوراء ، وعن الصّادق عليه السّلام : رضوان اللّه والجنّة . وتنكير الحسنة لعلّه لإظهار المذلّة وعدم القابليّة